النهضة الحسينية ومفهوم الإصلاح السياسي في المجتمعات المعاصرة

صدى المشهد4 يوليو 2025آخر تحديث :
النهضة الحسينية ومفهوم الإصلاح السياسي في المجتمعات المعاصرة

‏بقلم: علي شاكر الجنابي

‏لم تكن النهضة الحسينية حادثةً عابرةً على هامش التاريخ، بل كانت وستبقى صرخة مدوية في وجه الانحراف السياسي والتزييف الديني، وصيحة إصلاحية خالدة نحتت في الوعي الإنساني ملامح مشروع مقاوم يتحدى الظلم، ويعيد ترتيب أولويات الأمة على أساس القيم والمبادئ. لقد استطاعت واقعة كربلاء، بكل ما تحمله من رمزية وتضحية، أن تتحول من معركة إلى مدرسة، ومن دمعة إلى رؤية سياسية وأخلاقية متكاملة.

‏أولًا: في جوهر خطاب الإصلاح عند الإمام الحسين (ع)

‏حين قال الإمام الحسين (ع):
‏”إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي”
‏كان يُعلن بوضوح أن تحركه لم يكن اندفاعًا عاطفيًا ولا طموحًا سلطويًا، بل تعبيرًا واعيًا عن مشروع إصلاحي شامل هدفه تصحيح المسار المنحرف الذي اتخذته الأمة تحت سلطة بني أمية.

‏انطلق الإصلاح الحسيني من مرتكزات أساسية:

‏مقاومة الفساد السياسي والانحراف عن نهج الشورى.

‏إعادة الاعتبار للقيم النبوية التي تم تهميشها.

‏رفض شرعنة الظلم مهما كانت الكلفة.

‏الدفاع عن الحق حتى لو تطلب الأمر التضحية بالروح والعيال.

‏ثانيًا: تشابه الظرف بين الأمس واليوم

‏إن المتأمل في الواقع السياسي للمجتمعات العربية والإسلامية اليوم يجد نفسه أمام مشهد لا يقل سوداوية عن زمن يزيد.
‏الاستبداد عاد بأشكاله الحديثة، وتحوّلت مؤسسات الدولة إلى أدوات قمع لا وسائط عدل، وغاب الوعي الجمعي تحت تأثير إعلام موجه، ودينٍ مؤدلج يخدم الطغاة.

‏نحن نعيش:

‏دكتاتوريات تتزيّن بالديمقراطية الشكلية.

‏فسادًا إداريًا يعطّل التنمية ويهدر ثروات الشعوب.

‏تهميشًا لإرادة الجماهير لحساب نخب متسلطة.

‏تبريرًا للظلم باسم “الاستقرار” أو “المصلحة العليا”.

‏وهي كلها صور من الانحراف السياسي الذي واجهه الإمام الحسين قبل أكثر من 14 قرنًا.

‏ثالثًا: من كربلاء إلى الحاضر.. كيف نستلهم الإصلاح؟

‏النهضة الحسينية ليست مجرد تاريخ يُروى في المحافل، بل مشروع قابل للتطبيق. وهنا بعض من ملامح هذا الاستلهام:

‏1. رفض التطبيع مع الظلم: الصمت على الظالم يعيد إنتاج الطغيان.

‏2. المسؤولية الفردية والجماعية: كل فرد محاسب أمام ضميره وأمته.

‏3. سياسة أخلاقية لا براجماتية: الحسين رفض أن يبرر الباطل بمقولة “درء الفتنة”.

‏4. تمكين الشعوب من صوتها: لا إصلاح بدون حرية التعبير والمشاركة.

‏5. بناء وعي مجتمعي: كما كان الإمام الحسين يخطب في الطرق والأسواق ليوقظ الأمة من سباتها.

‏رابعًا: تحديات طريق الإصلاح اليوم

‏لا شك أن طريق الإصلاح اليوم محفوف بالتحديات، منها:

‏القبضة الأمنية والتضييق على الحريات.

‏تسييس الدين لخدمة الحاكم.

‏إعلام فاقد للاستقلالية.

‏يأس جماهيري ناتج عن خيبات متكررة.

‏لكن كربلاء تعلمنا أن التغيير الحقيقي يبدأ من داخل النفوس، بالإصرار، والصدق، والتضحية. فالحسين (ع) لم ينتظر انتصارًا عسكريًا، بل زرع بذرة الإصلاح في وعي الأمة، وترك لنا الخيار:
‏هل نكون ممن ينصره بالفعل أم ممن يكتفي بالبكاء على الأطلال؟
‏النهضة الحسينية ليست مجرد ملحمة استشهادية، بل برنامج إصلاحي متكامل يصلح لكل زمان ومكان. هي دعوة مفتوحة لإعادة النظر في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين الدين والسياسة، بين السلطة والضمير.

‏وفي زمن أصبح فيه الحق يُساء تأويله، والباطل يُبرر بالدين، تعود كربلاء لتقول لنا:

‏> “ألا من ناصر ينصرني؟”
‏فلا يكون الجواب شعارات، بل مواقف، ومسؤولية، وإصلاح نابع من وجع الأمة وكرامتها.

‏الحسين لم يُقتل… بل بقي حيًا في ضمائر الأحرار.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة