

نسمات الحسين في لهيب تموز
بقلم: علي شاكر الجنابي
تموز، هذا الشهر اللاهب الذي يلسع الوجوه بحرّه المستعر، لا يعرف المساومة مع الجغرافيا ولا يرحم من تسوّل له نفسه التحدّي. شمسٌ في كبد السماء كأنها خرجت من صبرها، تلفح الطرقات، وتحوّل الخطى إلى جمرٍ ملتهب. لكنه، ومع كل هذا الغليان، يقف عاجزًا أمام حرارة من نوع آخر… حرارة الشوق، والفداء، والولاء. حرارة لا تأتي من الشمس، بل من كربلاء.
كل عام، مع حلول عاشوراء، يُصيب تموزَ شيءٌ من التواضع. تتبدّل سطوته، وتتراجع قسوته، كأنّ صدى “يا حسين” يخترق السماء ويعيد ترتيب قوانين الطبيعة. المواكب، بالثياب السود، لا تعرف التعب. الرجال والنساء والأطفال يسيرون في عزّ النهار، لا يشتكون العطش، ولا يهابون لهيب الشمس، لأن حرارة القلوب أقوى من حرارة الطقس، ولأنّ من سار في درب الحسين لا تعرقل خطواته شمسٌ ولا تردّه نار.
هنا، في هذه الأرض المشتعلة، تنبعث نسائم لا تشبه أي نسيم. نسائم الحسين… تلك التي لا تُقاس بدرجات الحرارة، بل بدرجات الإيمان. ترى الوجوه تتلألأ بالعرق، لكنّ العيون دامعة، والقلوب مشتعلة بحبّ لا يخبو. يسيرون وكأنّ العباءة التي ظلّلت رأس الحسين يوم العاشر لا تزال تظلّلهم، تمدّهم بالقوّة، وتقيهم قيظ الأرض بحرارة السماء.
في محرّم، يتمرّد الزمن. لا يعود لتموز هيبته المعتادة، لأنّه في حضرة الحسين يصبح الزمن مجرّد شاهد، والحرّ مجرّد تفصيل. لا شيء يبقى على حاله… حتى السكون يحمل خشوعًا، وحتى الغبار يتحوّل إلى عبق طاهر، يحمل خطوات الزائرين إلى أرض الطفّ.
إنه الحسين… حين يُذكر، تتغيّر المعادلات، وتنكسر النواميس. الدماء التي سالت على رمضاء كربلاء لم تجفّ، بل سالت في شرايين العاشقين، تمنحهم نبضًا يتحدى لهيب تموز، وتحيي فيهم عشقًا لا تمحوه السنين.
هكذا هو الحسين… إذا ذُكر، سكنت الأرض، وخشعت السماء، وخجلت الشمس من نور وجهٍ ما زال يضيء عصورًا بأكملها.
