‏بين السرعة والمصداقية: كيف يوازن الإعلام الرقمي بين السبق الصحفي والمسؤولية الأخلاقية؟

صدى المشهد4 أغسطس 2025آخر تحديث :
‏بين السرعة والمصداقية: كيف يوازن الإعلام الرقمي بين السبق الصحفي والمسؤولية الأخلاقية؟
‏بين السرعة والمصداقية: كيف يوازن الإعلام الرقمي بين السبق الصحفي والمسؤولية الأخلاقية؟

بقلم: علي شاكر الجنابي

‏في عصر تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه المعطيات بلحظات، أصبح الإعلام الرقمي لاعباً أساسياً في صناعة الخبر وتوجيه الرأي العام. ومع ظهور منصات التواصل وانتشار الصحافة الإلكترونية، تغيّر مفهوم “السبق الصحفي” من تنافس مهني إلى سباق زمني محموم، قد يهدد في كثير من الأحيان أحد أهم ركائز الإعلام: المصداقية.
‏فبين رغبة الصحفي أو المؤسسة الإعلامية في نشر الخبر أولاً، وضغط الجمهور المتعطش للمعلومة اللحظية، تضيع أحياناً قواعد التحقق والتدقيق، لتظهر أمامنا ظاهرة الأخبار الكاذبة والمضللة التي تُقوّض ثقة المتلقي بالإعلام.
‏في هذا المقال، نسلّط الضوء على هذا التحدي الكبير الذي يواجه الإعلاميين في العصر الرقمي، ونناقش كيف يمكن تحقيق التوازن بين السرعة والدقة، دون التفريط بالقيم المهنية والأخلاقية التي يقوم عليها العمل الإعلامي.

‏ أولاً: السبق الصحفي… هل أصبح فخاً؟
‏في السابق، كان السبق الصحفي دلالة على المهنية والجهد الصحفي العالي، حيث يتسابق الصحفيون لجمع المعلومات من مصادرهم الخاصة وتقديمها بطريقة دقيقة. أما اليوم، فقد تحوّل السبق الصحفي إلى سلاح ذي حدين. فبسبب الضغط الهائل للنشر السريع، قد تلجأ بعض المنصات إلى نشر الأخبار دون تحقق كافٍ، خوفاً من أن تسبقها وسائل إعلامية أخرى، حتى وإن كان الثمن فقدان المصداقية.
‏ثانياً: الإعلام الرقمي وغياب الحواجز التحريرية
‏من أبرز خصائص الإعلام الرقمي أنه لا يخضع لخط إنتاج تحريري تقليدي. في كثير من الأحيان، يستطيع الصحفي أو المحرر نشر الخبر مباشرة من هاتفه الذكي، ما يُقلّص دورة النشر، ولكنه في الوقت ذاته يُضعف حلقات المراجعة والتحقق. ومع انتشار المحتوى على الفور، يصبح من الصعب تصحيح الخطأ بعد انتشاره، خاصة إذا تم تناقله على مواقع التواصل.
‏ثالثاً: مصداقية الخبر في ظل فوضى المعلومات
‏في بيئة إعلامية تعجّ بكم هائل من المعلومات، يصبح التحقق من المصدر عاملاً حاسماً. فالمصداقية لا تتعلق فقط بصحة الخبر، بل أيضًا بطريقة نقله، لغة العنوان، وموقع النشر. ومع تنامي ظاهرة “الترند”، ينجرف بعض الصحفيين وراء إثارة الجمهور بدلاً من إعلامه، ما يخلق نوعًا من “الصحافة الشعبوية” التي تُراعي التفاعل أكثر من الحقيقة.
‏رابعاً: المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات الإعلامية
‏المؤسسات الإعلامية لا تُقاس فقط بعدد المتابعين، بل بمدى التزامها المهني والأخلاقي. ويكمن دورها في وضع ضوابط داخلية تشجع على التحقق قبل النشر، وتمنع الانسياق خلف السبق غير المدروس. كما يجب أن تزرع ثقافة الاعتذار والتصحيح عند الخطأ، وأن تدرّب كوادرها على أدوات التحقق الرقمي في زمن تزوير الصور والمقاطع الصوتية والمرئية.

‏خامساً: نحو توازن مطلوب
‏الحل لا يكمن في إبطاء نشر الأخبار، ولا في التسرع، بل في خلق توازن ذكي يعتمد على:

‏بناء قاعدة مصادر موثوقة.

‏تحرير الأخبار على مراحل دون المساس بجوهر الدقة.

‏تعزيز وعي الجمهور بكيفية التحقق الذاتي.

‏في زمن الإعلام الرقمي، لم يعد الصحفي فقط ناقلاً للخبر، بل صانعاً له أيضاً، وموجّهاً للرأي العام. وبين ضغط اللحظة ومتطلبات المهنة، يبقى الرهان على المهنية هو الضامن الوحيد لثقة الجمهور. فالسبق الصحفي لا يُقاس بالسرعة فقط، بل بجودة الخبر، دقته، وأثره الأخلاقي على المجتمع.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة